عين القضاة
مقدمة 56
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
الفصل الثاني والخمسون ( نظر العارف في مشكلة قدم العالم أو حدوثه ) الحق في ذلك أن يقال : كان الزمان موجودا مذكانت الحركة موجودة ؛ وليس يجوز أن يقال : كانت الحركة موجودة مذكان الزمان موجودا . فإن ذلك وإن كان له وجه ما ، فهو فاسد النظم جدا . وإذا لم يجز ذلك فكيف يجوز أن يقال : كانت الأجسام موجودة مذكان الزمان موجودا ؛ ولو لم توجد الأجسام مثلا إلى الآن لعدم شرط ثم وجدت الآن لوجود ذلك الشرط ، كان ذلك جائزا ولم يكن قبل وجودها قبل ولا بعد ؛ وحين وجدت فإنما وجدت كذلك من غير فرق . وإن زعمت أن الأجسام كانت موجودة مذكان الحق موجودا فهو خطأ عظيم ، واعتقاد أكثر العلماء الذين يزعمون أنهم أربوا في صدق النظر على الأولين والآخرين . ومما لا بدّ لك في هذا المقام من الإحاطة به أن تعلم أن الأجسام لا توجد أصلا حيث يوجد الحق لا الآن ولا قبله ولا بعده ؛ ومن صار إلى أن العالم موجود الآن مع وجود الحق فهو مخطىء خطأ عظيما ؛ فحيث الحق فلامكان ولا زمان ، وهو محيط بالزمان والمكان وسائر الموجودات . فإن سبق وجوده على كل شئ متساو ؛ فإنه سابق الوجود على وجود العالم ، كما إنه سابق الوجود على وجود صورة هذه الكلمات المسطورة في هذا الكتاب مثلا ، من غير فرق أصلا . ومن فرّق بينهما فهو بعد في مضيق التشبيه ، ولم يتنزّه عنده الحق عن الزمان ، كما لم يتنزّه عن المكان عند العوام الذين يزعمون أنه جسم كسائر المحسوسات . ومثل هذا الإيمان باللّه بعيد عن الإيمان الحقيقي الحاصل للعارف في أول سلوكه ونظره .